زري: ربة الخيارات الصعبة وامتحان الشجاعة
سوشوون / طقوس فارسية
(تنويه: تنطوي المراجعة على حرق للأحداث)
رغم كون رواية (سووشون) تحمل طابعا سياسيا في جانب منها، لكنها مكتوبة ببراعة البعد عن الخطاب السياسي المباشر، كقصة شخصية تدور في إطار حياة وبيت امرأة (زري) هي ربة بيت، زوجة وأم، كل ما تريده هو الأمن والسلام لعائلتها. لكن هل تستطيع تحقيق ذلك وهي تعيش في إيران الخاضعة لسلطة احتلال انكليزي، يحاول تأليب أبناء الشعب ضد بعضهم والاستيلاء على خيرات بلدهم، إبان الحرب العالمية الثانية. من عمق القصة الشخصية لزري، تسطر الكاتبة الإيرانية (سيمين دانشور) في أول رواية فارسية منشورة لإمرأة في إيران (في العام ١٩٦٩) قصة رمزية عميقة، عن الشجاعة، والمقاومة، والنضال وإن بالحد الأدنى لما يطيقه القلب.
قلق لا يهدأ
زري (زهراء) امرأة محفوفة بالقلق على عائلتها، أطفالها، زوجها. لا تكاد تهدأ أفكارها حول شرور يحتمل أن تصيبهم طالما هم بعيدين عن بصرها. ورغم الواقع السياسي المضطرب الذي تعيشه مدينتها شيراز، الجوع الذي يهدد البلاد، المرض والوباء، والصراع على من يحوز المؤن، ومقاومة زوجها لعروض (تهديدات) الانكليز أن يبيعهم محاصيل أرضه، كل ما تنشغل به زري هو عائلتها، بيتها، هذه هي حدود وطنها الذي يعنيها. تصارح زوجها يوسف ”دعهم يفعلوا ما يشاءون، إنما أرجوك لا تدعهم يجلبوا الحرب إلى منزلي.. مدينتي، بلادي، هي هذا المنزل.“ تريد زري الحفاظ على السلام في زمن طبول الحرب ❞ لا أريدكم أنتم الأولاد أن تترعرعوا والقتال والخصام يُحيط بكم من الجوانب كلّها. أود أن يكون منزلنا هادئاً، مطمئناً.» ❝
الفعل رغم الخوف
تصنع زري توقعاتنا منذ البداية، حين تستسلم لإهداء (سرقة) قرطيها الزمرديين الثمينين، الإرث العائلي، تقدمهما انصياعا لطلب ابنة الحاكم دون مقاومة حتى وهي تعرف أنهما قد لا يعودا. وما الذي يمكن توقعه من امرأة في بلد خاضع لسطوة الرجال، حين الرجال ذاتهم خاضعين لسطوة القوة الحاكمة؟
تعتقد زري أن بالوسع الالتفاف حول النار دون أن تصيب المرء منها شظايا. ولكن هيهات، فالمعتدي الطماع لا يكف عن التقدم نحو بيتها وتهديد أمنها وأمن عائلتها. لم يكن القرطان الضائعين سوى البداية. وحين يطلب الحاكم مهر خسرو العزيز يأتي التحدي إلى عقر بيت زري، ويضعها أمام خيارات صعبة، أن تكسر قلب ابنها بتقديم حصانه إلى الحاكم، أو أن تضع عائلتها في مواجهة انتقامية مع الحاكم بسبب حصان. أرادت زري في لحظات أن تقاوم. أن تهرب من المواجهة، أن تتهرب من التضحية بالحصان.
يوسف زوج زري هو شخص مختلف، على النقيض منها، لا يأبه أن يضع نفسه في مواجهة الانكليز، لكنه فرد في عالم لا يشبهه. ولقد كانت تود زري لو أن زوجها يوسف، ليس المقاوم الذي هو عليه ”فقط عدني ألا تكون الفرد الذي يغير الأشياء.“ لكي لا تضطر للقلق بشأن مصيره. وفي غيابه مسافرا للقرية، لا سند يبث الشجاعة في قلبها لتكون مثله. إنها امرأة وحيدة، وتحت ضغط شقيق زوجها أبوالقاسم خان -المتطلع لمنصب النائب البرلماني والمستميت لإرضاء الحاكم- تضع فكرة المقاومة جانبا وتستسلم للتضحية بالحصان.
حين يعود يوسف ويعلم متأخرا بقصة تقديم الحصان لابنة الحاكم، في ذات اللحظة التي يعرف فيها أن ابنهما ربما يواجه خطر الموت في سبيل استعادة الحصان، يصفع يوسف زري. كانا يصعدان التل باتجاه بيت الحاكم، حيث يحتمل أن رجال الدرك قد أمسكوا بخسرو، أو أسوأ. زري مثقلة بوحام الحمل، تكاد تنهار من الخوف والتعب، بل أنها تهدد بأنها ستموت لو لم يعد ابنها. ❞إن لم تجلب خسرو معك، سوف أموت في هذه البقعة بالذات. سوف أتوّسد هذه الصخرة وأموت.❝ ومع ذلك هذه المرأة ذاتها تصر على التقدم باتجاه قصر الحاكم حيث تتوقع أن تجد ابنها لإنقاذه. في هذا المشهد، وفيما تلاه من حوار في بيت الحاكم، نرى زري، الخائفة والمصفوعة والمُهانة، وقد احتفظت برباطة جأشها كاملة، وابتكرت حيلة لمنح الولد عذرا ينقذه، في حين كان يوسف، بطبعه الحازم والحاد، موشكا على الشجار. عندما صفع يوسف زري كان هذا تعبير عن ضعفه وخوفه، سمح للغضب والخوف أن يمتلكاه وهكذا انتقم من زري بدلا من التركيز على إنقاذ ولده. بالمقارنة زري لا تستغرق حتى دقيقة في التألم على حالها بل تبادر فورا باللحاق به لأنها أدركت أنه في حالته هذه لن يتمكن من انقاذ الطفلين باسلوب الغضب والقوة، بل ربما يصير عرضة للأذى هو أيضا.
لقد كانت هذه اللحظة التي شعرتُ فيها بعظمة هذه المرأة، التي من عمق خوفها تنطلق نحو اتخاذ ما يلزم عمله، دون أن تتردد، ودون أن تنكسر حتى مع الجرح في كرامتها، إنها أكبر من الخوف وأكبر من الإهانة. إنها تفعل كل شيء من أجل إنقاذ الذين تحبهم. إنها شجاعة بقدر ما تعترف أنها خائفة، ثم تتقدم نحو مكمن خوفها بالذات، وتقوم بالفعل.
تواجه زري لاحقا محاكمة قاسية من زوجها وابنها، متهمة بالجبن. لا أحد منهما يلاحظ أو يعطيها تقديرا لدورها في تهدئة الأمر في بيت الحاكم، وأيضا للشجاعة الكامنة في اتخاذ القرارات الصعبة (بما في ذلك قرار تقديم الحصان)، حين تكون لا تملك سوى ضعفها الانثوي، لا قوتهما القتالية واستعدادهما لاستعمال القبضات. ورغم استسلام زري للتهمة، واعترافها بها، إلا أني أجدها شجاعة بطريقتها وفي حدود ما تستطيعه. شجاعة زري تظهر في تقديم مصلحة أحبابها وعائلتها قبل نفسها، ومحاولة الحفاظ على السلام في زمن الحرب بقدر ما يسعها ذلك.
تبرّر زري ما يسمونه جبنها بالقول أن الحب والزواج نفسه هو الذي انتزع منها شجاعتها. ❞أنت هو الشخص الذي انتزع مني شجاعتي… لقد أطعتُك ردحاً طويلاً جداً من الزمن بحيث بات الخنوع عادةً متأصلة فيّ.❝ ويبدو لي أن المرء حين يحب شخصا، يصير أكثر تمسكا بالحياة لأجله، يصير يخاف عليه ويقلق بشأنه كما تفعل زري، ويحسب عواقب الأمور على حياتهما المشتركة، فيتخلى عن الجرأة والتهور القديمين. (وأعشَقُ عمرِي لأني إذا مُتُّ، أخجل من دمع أُمي.) يقول محمود درويش.
لقد واجهت زري تحديات متكررة تطلبت منها أن تحفز شجاعتها، ووجدت نفسها تتساءل، أي القرارات يدل على الشجاعة، الرفض أم القبول. المؤكد أن زري حاولت دائما أن تكون إلى جانب السِلم بقدر ما استطاعت في اتخاذ القرار.
على الهامش
زري، مثلما هو دور النساء عادة، تجد نفسها مسؤولة عن ترتيب شؤون ضيوف زوجها في لقاءات مناقشة خطط مقاومة الانكليز، ولكن مطلوب منها أيضا أن تبقى على الهامش. أن لا تتدخل في النقاش، يتم صرفها بلباقة لكي لا تستمع لكل ما يقال. تأتي الحرب إلى دارها، ومطلوب منها أن لا تشارك برأي. دورها محدود في اعداد العشاء وتأمين راحة الضيوف، لكنها، القلقة دائما على بيتها، تبقى يقظة، أكثر مما يُتوقع منها.
حين حلت المصيبة، وعاد زوجها قتيلا إلى البيت، صار عليها دون اختيار منها أن تتحمل العواقب. كان قتله عاقبة خياراته السياسية التي لم يكن مسموحا لزوجته، شريكته في الحياة، بالتدخل فيها. لا تعتب زري على يوسف لأنها تحمل التقدير لمواقفه. أتذكر امرأة أخرى تشبه زري، أم سليمان الراوي الطفل في رواية هشام مطر (في بلد الرجال)، التي كانت أيضا امرأة هامشية في خيارات زوجها المناضل السياسي، لكنها، كما يحدث للنساء عادة، صارت الجندي المقاتل الأخير لإنقاذ العائلة بعد اعتقال الأب واختفاؤه القسري.
ألف نجمة تضيء
تريد الرواية أن ترينا أن مقتل يوسف قد جعل زري تتخلى تماما عن خوفها لصالح الشجاعة والجرأة في مساندة الحق. في حوارها مع الدكتور عبدالله خان بعد انهيارها إثر خبر موت يوسف، يشخّص حالها، هي ليست مجنونة كما تشك ويشك من حولها، لكنه يصف لها مرضا آخر.
❞ إلا أنّ لديك مرضٌ خبيث لا يمكنكِ أن تبرأي منه على يدي. يلزمكِ أن تتخلّصي منه قبل أن يُصبح مُزمناً. في بعض الأحيان يكون وراثياً».
«سرطان؟» سألته زَري.
«لا، عزيزتي؛ ألا تفهمين؟ إنه مرض الخوف. ❝
يبث الدكتور عبدالله خان الثقة في نفس زري، لكي لا تستسلم للخيالات التي تهرب بها بعيدا عن الواقع الذي صار فيه يوسف ميتا. ❞ في هذا العالم، كلّ شيء بيدَيّ المرء. الجنون، الخوف، وحتى الحب. يستطيع الإنسان إذا أراد ذلك، أن يحرك الجبال، يجفف المياه، يُحدِث الدمار في كلّ مكان. حياة الإنسان ما هي إلا تاريخ بأحداثٍ وفق تسلسلها الزمني. قد يكون أيّ نوع من التاريخ — تاريخاً حلواً، تاريخاً مُراًّ، تاريخاً قبيحاً… أو تاريخاً بطولياً. الجسم البشري جسمٌ هش، إنما لا قوةَ في هذا العالم يمكنها أن تساوي الطاقة الروحية للإنسان. طالما أنه يمتلكُ إرادةً قوية وبعضَ الوعي. ❝
لقد كان هذا الحوار الذي ترك أثره الكبير على نفس زري، الأرملة التي لم تعد تخاف، ❞شعرت زَري كما لو أنها تحررت من قفص. رجلٌ ذو حكمةٍ أعطاها الأملَ والتشجيع. ليست نجمةً واحدة بل ألف نجمة أُضيئت في عقلِها. إنها تعرف الآن أنها لا تخاف أحداً ولا شيئاً في العالم. ❝
ربما لا يبدو واضحا لماذا استطاع الدكتور عبدالله خان ترك هذا التأثير في زري، في حين فشل زوجها يوسف. ربما لأن يوسف أخذ اسلوب الهجوم والنقد الحاد، كما هو طبعه، في حين أخذ الطبيب دور المشجع، لقد أقنع زري أنها حقا حريئة في العمق، وكل ما يلزم هو أن تتخلى عن رداء الخوف. ولاشك أن خسارتها العظيمة لزوجها كانت سببا قويا لتصير جاهزة للتغيير. سبق لزري أن قالت شيئا ولم تعرف وقتها أنه ينبي عن مصيرها: ❞ «رجالنا يجب أن يتعلّموا الوقوف بمفردهم. وإذا كانوا بعيدين ينبغي لزوجاتهم أن يقمن بذلك بدلاً منهم. ❝
إنها تنتفض ضد محاولات شقيق زوجها تهميشها في قرار جنازة زوجها، يقول لها ❞ لقد نسيتِ أنّ المرأة، على أية حال، هي مجرّد امرأة. المرأة تشبه بطانة الكساء، إنها موجودة كي تدعم الرجل وتسانده. ❝ تعترض لأجل محبتها لزوجها، ولأجل مناشدته القديمة لها أن تكون شجاعة. هذه المرة كان زوجها ميتا، وهناك من يحاول حرمانه من جنازة لائقة ومسمى الشهيد، وهي وقفت لأجل حقه.
❞ «كنتُ أُريد أن أربي أولادي على الحب واللا عنف»، قالت. «الآن سوف أُربيهم على الثأر. سوف أُعطي خسرو بندقية». ❝
طقوس فارسية ورمزيات الرواية
جاءت ترجمة الرواية الصادرة عن دار المدى نقلا عن الترجمة الانكليزية بعنوان (طقوس فارسية) مضافا لعنوانها الأصلي (سووشون)، وبالفعل تحفل ممرات السرد بوصف الطقوس الفارسية. إنها تبدأ بالزفاف، وتصف لنا سفرة العروس الفارسية، وتنتهي بالجنازة، وما بينهما هناك مجالس العزاء، والدعاء لشفاء المرضى، والنذور، وزيارة مراقد الأولياء، وطقوس الوداع واللقاء، وغيرها.
أما في عنوانها الأصلي (سووشون) فهي تشير إلى طقس حداد / مراسم عزاء يقيمها الفارسيون في بعض القرى الإيرانية، في ذكرى سياوش، البطل الأسطوري الذي ورد في كتاب «الشاهنامة» للشاعر أبو القاسم الفردوسي، والذي قُتل ظُلما وحيدا، وجرى دمه على الأرض، فنبتت وردة حمراء من دمه، وصار رمزا للصحوة والانتفاضة ضد الظلم.
إن قراءة سووشون / طقوس فارسية بقصتها الظاهرة على السطح ممتعة ومؤثرة بعمق، لكن يمكن أيضا قراءتها بطريقة تفكك رموزها، حيث مصير يوسف تمثيل للغدر الذي وقع برئيس الوزراء الإيراني الناشط البارز في الجبهة الوطنيَّة محمد مصدَّق إذ تم الإطاحة به في انقلاب عام ١٩٥٣ دبره الانكليز والامريكيون بسبب وطنيَّته، وتصير زري رمزا لإيران ذاتها في صحوتها ضد الاحتلال. ونلاحظ حتى تقارب تاريخ مقتل يوسف في الرواية مع تاريخ الانقلاب على مصدّق.
الرواية غنية بالأفكار والشخصيات والقصص الفرعية لهذه الشخصيات، وهي تأخذك لتكون جزء من عالم حافل بالطقوس الفارسية.


